القرطبي

352

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

من كل مكان ) قال ابن عباس : أي يأتيه أسباب الموت من كل جهة عن يمينه وشماله ، ومن فوقه وتحته ومن قدامه وخلفه ، كقوله : " لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل " ( 1 ) [ الزمر : 16 ] . وقال إبراهيم التيمي : يأتيه من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره ، للآلام التي في كل مكان من جسد . وقال الضحاك : إنه ليأتيه الموت من كل ناحية ومكان حتى من إبهام رجليه . وقال الأخفش : يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سماها موتا ، وهي من أعظم الموت . وقيل : إنه لا يبقى عضو من أعضائه إلا وكل به نوع من العذاب ، لو مات سبعين مرة لكان أهون عليه من نوع منها في فرد لحظة ، إما حية تنهشه ، أو عقرب تلسبه ( 2 ) ، أو نار تسفعه ، أو قيد برجليه ، أو غل في عنقه ، أو سلسلة يقرن بها ، أو تابوت يكون فيه ، أو زقوم أو حميم ، أو غير ذلك من العذاب ، وقال محمد بن كعب : إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآه مات موتات ، فإذا دنا منه مات موتات ، فإذا شرب منه مات موتات ، فذلك قوله : " ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت " . قال الضحاك : لا يموت فيستريح . وقال ابن جريج : تعلق روحه في حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة ، ونظيره قوله : " لا يموت فيها ولا يحيا ( 3 ) " [ طه : 74 ] . وقيل : يخلق الله في جسده آلاما كل واحد منها كألم الموت . وقيل : " وما هو بميت " لتطاول شدائد الموت به ، وامتداد سكراته عليه ، ليكون ذلك زيادة في عذابه . قلت : ويظهر من هذا أنه يموت ، وليس كذلك ، لقول تعالى : " لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها " ( 4 ) [ فاطر : 36 ] وبذلك وردت السنة ، فأحوال الكفار أحوال من استولى عليه سكرات الموت دائما ، والله أعلم . ( ومن ورائه ) أي من أمامه . ( عذاب غليظ ) أي شديد متواصل الآلام من غير فتور ، ومنه قوله : " وليجدوا فيكم غلظة " ( 5 ) [ التوبة : 123 ] أي شدة وقوة . وقال فضيل بن عياض في قول الله تعالى : " ومن ورائه عذاب غليظ " قال : حبس الأنفاس .

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 242 . ( 2 ) تلسبه : تلدغه ، وتسفعه تسود وجهه . ( 3 ) راجع ج 11 ص 225 . ( 4 ) راجع ج 14 ص . ( 5 ) راجع ج 8 ص 298 فما بعد .